هل ينبغي للجامعات استبدال الامتحانات دون مراجع بالتقييم القائم على المشاريع؟
عرض القضية
في هذه المرحلة التأسيسية، يضع كل فريق حجر الزاوية في حجته. ليس الأمر مجرد سرد للنقاط، بل هو رسم لخريطة ذهنية تقنع الحكام والجمهور بأن طريقهم هو الطريق الأصوب نحو تعليم جامعي ذي معنى.
عرض القضية من الفريق المؤيد
السادة الحكام، زملاؤنا في الجانب الآخر، والحضور الكريم.
نحن هنا اليوم لا لنناقش مجرد تغيير في أسلوب التقييم، بل لنناقش تغييراً في فلسفة التعليم ذاتها. السؤال الجوهري هو: هل نريد خريجين يحفظون المعلومات ليقيئوها في ورقة امتحان، أم نريد مفكرين قادرين على بناء المعرفة وتطبيقها؟ إن موقفنا واضح وحاسم: نعم، ينبغي للجامعات استبدال الامتحانات التقليدية بالتقييم القائم على المشاريع. ونحن نستند في ذلك إلى ثلاثة أركان أساسية تمس جوهر الغاية من التعليم العالي.
أولاً: سد الفجوة بين الأكاديميا وسوق العمل الحقيقي.
لنكن صادقين مع أنفسنا؛ عندما يتخرج الطالب ويدخل عالم العمل، هل سيُطلب منه الجلوس في غرفة صامتة للإجابة عن أسئلة اختيار من متعدد دون الوصول للإنترنت أو زملائه؟ بالطبع لا. الواقع المهني يتطلب البحث، التحليل، الاستخدام الذكي للمراجع، والتعاون لحل مشكلات معقدة وغير محددة المعالم. الامتحانات التقليدية تخلق "وهم الكفاءة"، حيث يتفوق الطالب في الاسترجاع اللحظي، لكنه يفشل في التطبيق العملي. المشاريع، على النقيض، هي محاكاة دقيقة للحياة المهنية؛ فهي تجبر الطالب على التعامل مع الغموض، واستخدام المصادر، وإنتاج حلول مبتكرة، وهو ما يعده حقاً للمستقبل.
ثانياً: الانتقال من "الحفظ المؤقت" إلى "الفهم العميق والمستدام".
علم النفس التربوي يخبرنا أن التعلم القائم على الحفظ من أجل الامتحان (Rote Learning) يؤدي إلى نسيان سريع للمعلومات بمجرد انتهاء الاختبار. إنها معرفة "مستأجرة" تنتهي صلاحيتها بعد ساعتين. أما التعلم القائم على المشاريع (Project-Based Learning)، فهو تعلم قائم على الإنجاز والتطبيق. عندما يبني الطالب مشروعاً، فإنه يواجه عقبات حقيقية تضطره لفهم المبادئ الأساسية بعمق ليجتازها. هذا النوع من التعلم يخلق روابط عصبية أقوى ومعرفة أرسخ، لأن الطالب لم يعد متلقياً سلبياً، بل أصبح صانعاً نشطاً للمعرفة. نحن لا نريد طلاباً يملؤون رؤوسهم بالمعلومات كخزان فارغ، بل نريد عقولاً تشتعل بالفهم من خلال الممارسة.
ثالثاً: تنمية المهارات الشاملة والإنسانية التي يغفلها الورق والقلم.
الامتحان التقليدي يقيس بُعداً واحداً ضيقاً جداً: الذاكرة الفردية تحت الضغط. لكن الإنسان في عصرنا يحتاج إلى أكثر من ذلك. المشاريع التعليمية تفتح الباب لتقييم وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين: العمل الجماعي، القيادة، إدارة الوقت، التواصل الفعال، وحتى القدرة على تلقي النقد البناء وتحسين الأداء. هذه "المهارات الناعمة" هي غالباً ما يفتقدها الخريجون الجدد، وهي لا تُختبر في قاعة امتحانات صامتة. باستبدال الامتحانات بالمشاريع، نحن لا نقيم المعرفة فقط، بل نبني الشخصية المهنية المتكاملة للطالب.
لذلك، ندعوكم للتخلي عن نموذج تعليمي عفا عليه الزمن، واعتماد نموذج يعكس تعقيد العالم الحقيقي وعمق المعرفة الإنسانية.
عرض القضية من الفريق المعارض
السادة الحكام، أيها الزملاء في الفريق المؤيد، والحضور المحترم.
بينما يرسم الفريق المؤيد صورة مثالية لعالم وردي تسوده المشاريع الإبداعية، فإننا نحن في الجانب المعارض نقف على أرض الواقع الصلبة. نحن لا نرفض الإبداع، ولا ننكر قيمة المشاريع، لكننا نرفض استبدال الامتحانات بها كلياً. لماذا؟ لأن الامتحانات التقليدية، رغم عيوبها، تبقى العمود الفقري للعدالة الأكاديمية والكفاءة المؤسسية. موقفنا يستند إلى ثلاث حقائق لا يمكن تجاهلها.
أولاً: العدالة الموضوعية وتقليل التحيز البشري.
التقييم القائم على المشاريع هو بطبيعته تقييم "ذاتي" إلى حد كبير. كيف تضمن أن مشروعاً تم تقييمه من قبل أستاذ معين حصل على نفس المعايير الدقيقة التي طُبقت على مشروع آخر لدى أستاذ مختلف؟ أو حتى لدى نفس الأستاذ في أوقات مختلفة؟ الامتحانات الموحدة، خاصة تلك التي تُصحح بشكل مجهول أو تعتمد على إجابات نموذجية واضحة، توفر مستوى عالٍ من الموضوعية والعدالة. إنها تضمن أن الطالب يُحكم على معرفته هو، وليس على قدرته على إبهار الأستاذ بعرض تقديمي جذاب، أو على علاقته الشخصية معه، أو حتى على حظّه في وقوع المشروع ضمن اهتمامات المصحح. في غياب المعيار الموحد للامتحان، تصبح الدرجات لعبة حظ وذوق شخصي، وهذا يتنافى مع مبدأ تكافؤ الفرص.
ثانياً: الجدوى اللوجستية والكفاءة في أنظمة التعليم الجماهيرية.
دعونا نتحدث بلغة الأرقام والواقع. الجامعات الحديثة تضم آلاف، بل عشرات الآلاف من الطلاب. تخيلوا العبء الهائل على أعضاء هيئة التدريس إذا طُلب منهم تصميم، متابعة، وتقييم مشاريع فردية أو جماعية مفصلة لكل طالب في كل مادة. هذا ليس مجرد تحدٍ إداري، بل هو وصفة لكارثة تعليمية. النتيجة الحتمية ستكون إما إرهاق الأساتذة مما يؤدي لتقييم سطحي وغير عادل، أو تقليص حجم المشاريع بحيث تفقد قيمتها التعليمية. الامتحانات، من ناحية أخرى، هي أداة فعالة وقابلة للتطوير (Scalable) تسمح بتقييم عدد هائل من الطلاب في وقت وجيز وبموارد محدودة، مما يحرر وقت الأساتذة للبحث والإرشاد بدلاً من الغرق في بحر من الأوراق والتقارير المتشابهة.
ثالثاً: ضمان المسؤولية الفردية والأساس المعرفي الصلب.
الفريق المؤيد يتحدث عن العمل الجماعي كفضيلة، لكنه يتغاضى عن أكبر عيب في المشاريع: ظاهرة "الراكب المجاني" (Free-rider Problem). في المجموعات، دائماً هناك من يعمل وهناك من يستفيد من جهد الآخرين دون عناء. الامتحان الفردي هو الضمانة الوحيدة بأن كل طالب، بغض النظر عن مجموعته، قد اكتسب الحد الأدنى من المعرفة الأساسية في تخصصه. لا يمكننا أن نمنح شهادة هندسة لطالب لم يحسب معادلة بنفسه، أو شهادة طب لطبيب اعتمد على زميله في التشخيص. الامتحانات تفرض مساءلة فردية صارمة، وتضمن أن الشهادة الجامعية تعكس كفاءة كل حامل لها، وليس فقط كفاءة المجموعة الأكثر نشاطاً.
لذا، نحن لا ندافع عن الجمود، بل ندافع عن النظام، العدالة، والكفاءة. استبدال الامتحانات بالمشاريع هو قفزة في الظلام قد تكلفنا جودة التعليم ومصداقية الشهادات.
دحض العرض
في هذه المرحلة، تتحول المناظرة من عرض الرؤى المثالية إلى معركة الخنادق الواقعية. هنا، لا يكفي أن تكون محقاً في نظريتك، بل يجب أن تثبت أن نظرية خصمك تنهار عند أول احتكاك مع الواقع.
دحض الفريق المؤيد
السادة الحكام، زملائي في الفريق المعارض.
لقد استمعنا بعناية لحديث الفريق المعارض عن "العدالة" و"الكفاءة" و"المسؤولية الفردية"، وبصراحة، كان حديثاً يبدو منطقياً على السطح، لكنه ينهار تماماً عندما ننظر إلى ما وراء الستار. دعوني أفكك هذه الأوهام واحدة تلو الأخرى.
أولاً: وهم العدالة في الامتحانات التقليدية.
يدعي الفريق المعارض أن الامتحانات توفر عدالة موضوعية. لكن، هل نسيتم أن الامتحان التقليدي يحابي نوعاً محدداً جداً من الذكاء؟ إنه يحابي من يمتلك ذاكرة فوتوغرافية وقدرة عالية على تحمل ضغط الوقت والقلق، بينما يعاقب المفكر العميق الذي يحتاج إلى وقت للتأمل، أو المبدع الذي يرى الروابط غير التقليدية. أين العدالة في أن طالباً يفهم المبدأ الهندسي بعمق لكنه يرتكب خطأ حسابياً بسيطاً تحت ضغط الساعة يحصل على درجة رسوب، بينما طالب آخر يحفظ الحل النموذجي غيباً يحصل على العلامة الكاملة؟
نحن لا ندعو للفوضى، بل لعدالة حقيقية تقاس بـ "الكفاءة المنتجة". باستخدام معايير تقييم واضحة وموحدة (Rubrics) للمشاريع، يمكننا قياس النتائج بدقة تفوق قياس القدرة على الاسترجاع اللحظي. العدالة ليست في إعطاء الجميع نفس السؤال المستحيل، بل في إعطاء الجميع فرصة متساوية لإظهار ما يستطيعون صنعه.
ثانياً: حجة "العبء اللوجستي" هي حجة الكسل الإداري، وليست حجة تربوية.
يقول المعارضون إن تقييم المشاريع مرهق للجامعات الكبيرة. نعم، التعليم الجاد مرهق! لكن منذ متى أصبحت راحة الأستاذ ومعاملات الجامعة هي المعيار لجودة تعليم الطالب؟ نحن نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي وأنظمة إدارة التعلم المتطورة التي تسهل تتبع مساهمات كل طالب في المشروع، وتقييم المراحل الوسطية، بل وحتى كشف الانتحال العلمي بدقة متناهية.
علاوة على ذلك، إذا كانت الجامعة تعتبر نفسها "مصنعاً" يجب أن يمرر آلاف الطلاب بأقل تكلفة وجهد، فهي قد أخطأت العنوان. الجامعة مؤسسة فكرية. الاستثمار في تقييم المشاريع هو استثمار في جودة الخريج. التوفير في التقييم اليوم، يعني دفع فاتورة باهظة غداً في شكل خريجين غير أكفاء يحتاجون لإعادة تأهيل مكلفة في سوق العمل.
ثالثاً: ظاهرة "الراكب المجاني" قابلة للحل، وليست مبرراً للإلغاء.
يتذمر المعارضون من أن بعض الطلاب يستفيدون من جهد الآخرين في المشاريع. هذا صحيح، وهو تحدٍ إداري بحت، وليس عيباً جوهرياً في منهجية المشاريع. الحلول موجودة وفعالة: تقييم الأقران (Peer Assessment)، مقابلات شفوية فردية للدفاع عن أجزاء محددة من المشروع، وتقسيم الدرجات بين الجهد الفردي والنتيجة الجماعية.
بل إنني أقول لكم: التعامل مع "الراكب المجاني" في البيئة الجامعية هو تدريب ممتاز للحياة العملية. في الوظائف الحقيقية، ستواجه زملاء قليلي الإنتاجية، وعليك كمحترف أن تتعلم كيف تدير الفريق، توزع المهام، وتحاسب المقصرين. الامتحان الفردي يهرب من هذه الحقيقة، بينما المشروع يواجهها ويعالجها. إن إلغاء المشاريع بسبب هذا العيب البسيط يشبه إلغاء السيارات لأن بعضها قد يتعطل؛ الحل هو الصيانة والإدارة، ليس التخلي عن الوسيلة الأكثر تطوراً.
لذا، فإن حجج المعارض ليست إلا دفاعاً عن الوضع الراهن المريح إدارياً، والمفقود تربوياً.
دحض الفريق المعارض
السادة الحكام، أيها الزملاء في الفريق المؤيد الذين يعيشون في برج عاجي من المثالية.
بعد الاستماع لحديث الفريق المؤيد، يبدو أنهم يخلطون بين "التعليم الجامعي" و"ورشة عمل هواة". إن دعوتهم لاستبدال الامتحانات بالمشاريع كلياً هي وصفة لضمان تخريج طلاب يفتقرون للأساس المعرفي الصلب، ويعانون من فجوات خطيرة في الفهم الفردي. دعونا نضع الأمور في نصابها الصحيح.
أولاً: سوق العمل يحتاج إلى "السرعة والدقة" قبل "الإبداع الطويل".
يصور الفريق المؤيد العالم المهني كمكان مفتوح للتأمل والبحث غير المحدود الزمن. هذا تصور رومانسي وغير دقيق. في غرف الطوارئ، في أسواق الأسهم، في مواقع البناء أثناء الكوارث، لا يوجد وقت لـ "مشروع بحثي". الطبيب يحتاج لتشخيص سريع ودقيق بناءً على معرفة راسخة ومستمدة من الذاكرة المدربة جيداً. المهندس يحتاج لحسابات فورية تضمن السلامة.
الامتحانات، خاصة تلك التي تمنع المراجع، تدرب العقل على استرجاع المعلومات الأساسية بسرعة وكفاءة تحت الضغط. هذا "اللياقة المعرفية" (Cognitive Fitness) هي الأساس. بدونها، سيكون المشروع مجرد قشرة لامعة تخفي فراغاً معرفياً خطيراً. لا يمكنك أن تبني ناطحة سحاب (مشروع) على أساس رملي (ضعف في الأساسيات النظرية).
ثانياً: المشاريع تقيس "العرض" أكثر مما تقيس "المعرفة".
يدعي المؤيدون أن المشاريع تقيم الفهم العميق. لكن الواقع يشير إلى خطر كبير: تحويل التقييم إلى مسابقة في "التغليف والتسويق". كم من مرة رأينا مشروعاً متوسط المحتوى علمياً، لكنه حصل على درجة امتياز بسبب عرض تقديمي مبهر، أو فيديو احترافي، أو علاقة جيدة بين الطالب والأستاذ؟
هذا هو التحيز البشري الحقيقي الذي يغفل عنه المؤيدون. في الامتحان الموحد، الإجابة إما صحيحة أو خاطئة. في المشروع، الخطوط ضبابية. عندما نستبدل الامتحانات بالمشاريع، نحن لا نزيل التحيز، بل نحوله من تحيز عشوائي صغير إلى تحيز منهجي كبير يفضل الطلاب ذوي المهارات الاجتماعية والشكلية على حساب الجوهر العلمي. وهذا ضرب مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص الذي يدعون الدفاع عنه.
ثالثاً: المسؤولية الفردية هي جوهر الشهادة الجامعية.
الحديث عن "حل مشكلة الراكب المجاني" عبر تقييم الأقران والمقابلات هو حل نظري مثالي، لكنه عملياً مستحيل التطبيق بدقة في فصول دراسية تضم مئات الطلاب. النتيجة الحتمية ستكون أن شهاداتنا ستفقد مصداقيتها. كيف يمكن لصاحب عمل أن يثق بشهادة هندسة حاملها لم يجتاز امتحاناً فردياً يثبت أنه يعرف قوانين نيوتن بنفسه، بل اعتمد على فريق؟
الشهادة الجامعية هي عقد ثقة بين الجامعة والمجتمع بأن حاملها يمتلك كفاءة فردية دنيا. المشاريع الجماعية تطمس هذه الكفاءة الفردية. نحن لا نرفض المشاريع كأداة مكملة، لكن "الاستبدال" الكامل يعني أننا سنمنح شهادات لأشخاص قد يكونون مجرد "مديرين جيدين لفريق"، وليسوا "متخصصين أكفاء" في مجالهم.
لذلك، فإن موقف الفريق المؤيد، رغم نواياه الحسنة، يقودنا نحو نظام تعليمي سطحي، غير عادل في معاييره، وغير قادر على ضمان الكفاءة الفردية للخريج. نحن بحاجة للتوازن، وليس للاستبدال الأعمى.
المناقشة المتبادلة
في هذه المرحلة، تنتقل المناظرة من الخطابات المعدة مسبقاً إلى ساحة المعركة الحية. هنا، لا مكان للخطاب الإنشائي الطويل؛ الكلمات معدودة، والوقت ضيق، والهدف واحد: كشف عري المنطق الخصم وإجباره على الاعتراف بثغراته. المتحدثون الثالثون من كلا الجانبين يتولون زمام المبادرة بأسئلة جراحية.
أسئلة الفريق المؤيد
يتقدم المتحدث الثالث من الفريق المؤيد، بنظرة ثاقبة نحو مقاعد الفريق المعارض، حاملاً في جيبه ثلاث أسئلة مصممة لتفكيك حجج "العدالة" و"الكفاءة" و"المصداقية".
السؤال الأول: موجه إلى المتحدث الأول من الفريق المعارض (حول وهم العدالة الموضوعية)
المتحدث الثالث (المؤيد):
"سيدي المتحدث الأول، لقد تحدثت مطولاً عن 'العدالة الموضوعية' في الامتحانات الموحدة. دعني أطرح عليك هذا السيناريو البسيط: طالبان يجلسان لامتحان الفيزياء. الأول يعاني من نوبة قلق شديدة (Exam Anxiety) رغم فهمه العميق للمادة، فيرتكب أخطاء حسابية بسيطة ويسقط. الثاني، ذو ذاكرة قوية لكن فهمه سطحي، يحفظ الحل النموذجي وينجح.
سؤالي المباشر لك: هل تعتبر هذا النظام 'عادلاً' حقاً عندما يكافئ الحفظ الظاهري ويعاقب الفهم العميق المصحوب بضغط نفسي؟ وإذا كانت إجابتك 'نعم'، فهل تعترف بأن نظامكم يقيس 'القدرة على تحمل الضغط النفسي' أكثر مما يقيس 'الكفاءة العلمية'؟"
المتحدث الأول (المعارض) - الرد:
"السؤال ذكي، لكنه يغفل نقطة جوهرية. القدرة على أداء المهام تحت الضغط هي جزء لا يتجزأ من الكفاءة المهنية، خاصة في التخصصات الدقيقة. نحن لا نبحث عن عدالة 'مشاعرية' تراعي الحالة النفسية اللحظية فقط، بل عدالة 'معيارية' تضمن أن كل من يحمل الشهادة قد اجتاز حاجزاً موضوعياً واحداً. القلق يمكن إدارته بالتدريب، لكن التحيز في تقييم المشاريع لا يمكن إدارته بسهولة لأنه ذاتي بطبيعته. لذا، نعم، الامتحان يقيس الأداء تحت الضغط، وهذا ميزة وليس عيباً."
السؤال الثاني: موجه إلى المتحدث الثاني من الفريق المعارض (حول حجة الكفاءة اللوجستية)
المتحدث الثالث (المؤيد):
"زميلي الثاني، استندتَ في حجتك إلى 'العبء اللوجستي' وصعوبة تقييم آلاف المشاريع مقارنة بالامتحانات الورقية. هذا يبدو وكأنه اعتراف صريح بأن جامعاتنا تفضل 'سهولة الإدارة' على 'جودة التعلم'.
في عصرنا الحالي، حيث توجد أدوات الذكاء الاصطناعي وأنظمة إدارة التعلم (LMS) التي تتعقب مساهمات كل طالب بدقة، وتكشف الانتحال، وتقيم المراحل الوسطية آلياً.. سؤالي لك: هل ما زال عذرك 'اللوجستي' قائماً؟ أم أننا ببساطة نرفض التحديث لأننا نريد الحفاظ على نموذج 'المصنع' القديم لإنتاج الخريجين بأقل جهد ممكن؟"
المتحدث الثاني (المعارض) - الرد:
"لا تخلط بين 'التكنولوجيا المساعدة' و'الحل السحري'. الأدوات التقنية تساعد في الكشف عن الانتحال، لكنها لا تستطيع تقييم 'الإبداع' أو 'جودة الحل الهندسي' أو 'عمق التحليل النقدي' بشكل موضوعي تماماً دون تدخل بشري مكثف. حتى مع التكنولوجيا، تقييم مشروع واحد يستغرق وقتاً أطول بعشر مرات من تصحيح ورقة امتحان. إذا طبقنا هذا على جامعة تضم 50,000 طالب، فالنتيجة ليست 'جودة أعلى'، بل 'انهيار إداري' وتأخير في النتائج لشهور. نحن لا نرفض التحديث، بل نرفض الوعود غير الواقعية بقابلية التوسع (Scalability) للمشاريع المعقدة."
السؤال الثالث: موجه إلى المتحدث الرابع من الفريق المعارض (حول مصداقية الشهادة في عصر الذكاء الاصطناعي)
المتحدث الثالث (المؤيد):
"أيها المتحدث الرابع، أنت تدافع عن الامتحانات 'دون مراجع' كضمانة للمعرفة الفردية. لكننا نعيش في عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على حل معظم مسائل الامتحانات التقليدية بدقة تفوق البشر.
إذا كان الطالب يستطيع استخدام AI للغش في الامتحان المغلق (وهو أمر يحدث بالفعل وبصعوبة كشفه)، بينما المشروع يتطلب دفاعاً شفوياً وعرضاً للمنهجية التي لا يستطيع الـ AI القيام بها نيابة عن الطالب بنفس القناعة.. سؤالي لك: لماذا تتمسكون بنظام 'سهل الغش عليه تقنياً' وترفضون نظاماً 'يصعب تزوير نتائجه' لأنه يتطلب عملية وإنتاجاً؟ ألا ترى أن تمسككم بالامتحان التقليدي هو تمسك بسفينة تغرق في بحر التكنولوجيا؟"
المتحدث الرابع (المعارض) - الرد:
"هذا افتراض خاطئ. الذكاء الاصطناعي يساعد في الغش، لكن الجامعات تطور باستمرار طرقاً للكشف عنه، والأهم من ذلك، أن الامتحانات تتطور لتكون أكثر تطبيقية. لكن النقطة الأخطر في سؤالك هي افتراض أن المشروع 'حصن منيع'. في الواقع، مشاريع الطلاب مليئة بالمحتوى المولد آلياً أيضاً، وكشفه أصعب لأنه نص طويل ومتشعب. الفرق أن الامتحان يفرض عزلاً لحظياً يضمن الجهد الفردي المباشر، بينما المشروع يسمح بتراكم جهود خارجية (بما فيها AI) يصعب فصلها عن جهد الطالب. نحن لا نتمسك بسفينة تغرق، بل نتمسك بالمرساة التي تثبت هوية الخريج الفردية."
خلاصة المناقشة للفريق المؤيد
المتحدث الثالث (المؤيد):
"شكراً للإجابات. ما سمعناه يؤكد مخاوفنا:
1. المعارضون يعترفون بأن امتحاناتهم تكافئ 'تحمل الضغط' و'الحفظ' أكثر من الكفاءة الحقيقية، ويبررون ذلك بأنه 'معيار'.
2. هم يستخدمون حجة 'العبء الإداري' كدرع لحماية الراحة المؤسسية على حساب جودة التعليم، متجاهلين الحلول التكنولوجية المتاحة.
3. هم يتمسكون بنظام معرض للغش التقني، بينما يتجاهلون أن المشاريع مع الدفاع الشفوي هي الضمانة الحقيقية للعمل الفردي.
باختصار، دفاعهم مبني على 'ما هو أسهل للإدارة' وليس 'ما هو أفضل للتعلم'."
أسئلة الفريق المعارض
الآن، ينتقل الدور للمتحدث الثالث من الفريق المعارض، الذي يحمل هجوماً مضاداً يركز على "الأساس المعرفي"، "التحيز"، و"المسؤولية الفردية".
السؤال الأول: موجه إلى المتحدث الأول من الفريق المؤيد (حول الأساس المعرفي)
المتحدث الثالث (المعارض):
"سيدي المتحدث الأول، أنت تدعو لاستبدال الامتحانات بالمشاريع بحجة محاكاة سوق العمل. لكن دعنا نتحدث عن طبيب في غرفة الطوارئ، أو مهندس يواجه انهياراً وشيكاً في جسر. في تلك اللحظات، لا يوجد وقت لـ 'مشروع بحثي' أو 'تعاون فريق' أو 'بحث في المراجع'.
سؤالي لك: كيف سيكتسب هذا الطبيب أو المهندس 'السرعة والدقة' في استرجاع المعلومات الحيوية إذا لم يتدرب عليها عبر امتتحانات صارمة تفرض الحفظ والاسترجاع الفوري؟ ألا توافقني أن إلغاء الامتحانات يعني تخريج مهنيين يتجمدون عند أول أزمة تتطلب ردة فعل فورية؟"
المتحدث الأول (المؤيد) - الرد:
"هذا تصور نمطي (Stereotype) للتعليم القائم على المشاريع. المشاريع لا تلغي دراسة الأساسيات، بل تغير طريقة اختبارها. يمكننا دمج اختبارات قصيرة (Quizzes) للأساسيات ضمن مراحل المشروع. الأهم من ذلك، العالم الحقيقي نادراً ما يكون أبيض أو أسود. حتى في الطوارئ، الطبيب يحتاج لتشخيص معقد يعتمد على تحليل بيانات متعددة (مشروع تشخيصي)، وليس مجرد استرجاع تعريف. نحن ندرب على 'التفكير' وليس فقط 'الاسترجاع'، لأن الاسترجاع وحده لا ينقذ حياة في الحالات المعقدة."
السؤال الثاني: موجه إلى المتحدث الثاني من الفريق المؤيد (حول التحيز والشكلانية)
المتحدث الثالث (المعارض):
"زميلي الثاني، ذكرتَ أن معايير التقييم (Rubrics) تحل مشكلة التحيز. لكن الواقع يشهد خلاف ذلك. كم مرة رأينا طالباً يحصل على درجة عالية لمشروع متوسط المحتوى، فقط لأن عرضه التقديمي (Presentation) كان مبهراً، أو لأن لغته الخطابية كانت مقنعة؟
سؤالي الصريح: في غياب الإجابة النموذجية الثابتة (كما في الامتحان)، كيف تضمنون أن الدرجة تعكس 'العمق العلمي' وليس 'المهارات التسويقية والشكلية' للطالب؟ وهل هذا لا يشكل تحيزاً ضد الطلاب الخجولين أو الأقل حظاً في المهارات الاجتماعية، رغم تفوقهم العلمي؟"
المتحدث الثاني (المؤيد) - الرد:
"المهارات التواصلية والعرضية هي جزء لا يتجزأ من الكفاءة المهنية في القرن الحادي والعشرين. العالم لا يكافئ العالم الصامت الذي لا يستطيع شرح أفكاره. ومع ذلك، المعايير الجيدة تفصل بين 'محتوى المشروع' و'طريقة العرض'. يمكن أن يحصل الطالب على درجة كاملة للمحتوى العلمي حتى لو كان عرضه ضعيفاً، والعكس صحيح. المشكلة في الامتحان التقليدي أنه يتجاهل تماماً قدرة الطالب على توصيل علمه، وهي مهارة حيوية. نحن لا نحابي الشكل، بل نقيم المنتج الكامل."
السؤال الثالث: موجه إلى المتحدث الرابع من الفريق المؤيد (حول المسؤولية الفردية والشهادة)
المتحدث الثالث (المعارض):
"أيها المتحدث الرابع، الجامعة تمنح 'شهادة فردية' باسم طالب معين. هذه الشهادة هي عقد ثقة مع المجتمع بأن هذا الشخص يمتلك كفاءة محددة. في نظام المشاريع الجماعية، كما اعترفتم، هناك دائماً تفاوت في المساهمات.
سؤالي النهائي: إذا فشل خريجكم في عمله بسبب جهله بأساسيات تخصصه (لأنه كان 'راكباً مجانيًا' في مشاريع الجامعة)، من سيتحمل المسؤولية؟ الجامعة التي منحته شهادة لم تختبر معرفته الفردية بدقة؟ كيف تبررون منح 'صفة الفردية' لإنجاز 'جماعي' مشوب بالشكوك؟"
المتحدث الرابع (المؤيد) - الرد:
"هذا يفترض أن المشاريع جماعية فقط ولا توجد آليات للفردية. كما أوضحنا سابقاً، المشاريع الناجحة تتضمن مكونات فردية صارمة: دفاع شفوي فردي، تقارير مساهمة شخصية، واختبارات فهم للمكونات الخاصة بكل طالب داخل المشروع. الشهادة تبقى فردية لأنها تعتمد على تقييم أداء الطالب داخل السياق الجماعي، وهو الأقرب للواقع. الثقة لا تأتي من امتحان ورقي يُنسى بعد يوم، بل من سجل إنجازات (Portfolio) يثبت قدرة الطالب على التطبيق. نحن نخرج محترفين، ليس مجرد حافظين."
خلاصة المناقشة للفريق المعارض
المتحدث الثالث (المعارض):
"شكراً للإجابات التي كشفت هشاشة الموقف المؤيد:
1. هم يتجنبون الإجابة المباشرة عن كيفية ضمان 'السرعة والدقة' في المواقف الحرجة، مكتفين بإعادة تعريف المشكلة.
2. هم يعترفون ضمناً بأن 'المهارات الشكلية' تؤثر في التقييم، ويبررون ذلك بأنها 'مهارة حياتية'، مما يفتح الباب للتحيز ضد الجوهر العلمي.
3. محاولاتهم لضمان 'الفردية' داخل المشروع معقدة وغير مضمونة، مما يضعف مصداقية الشهادة الجامعية كضمان للكفاءة الشخصية.
باختصار، فريقهم يريد تحويل الجامعة إلى 'ورشة عمل' تفتقر للانضباط المعرفي والضمانات الفردية."
المناظرة الحرة
في هذه المرحلة، تتحول القاعة من منصة خطابة إلى حلبة ملاكمة فكرية. هنا، لا وقت للتردد، ولا مساحة للخطاب الإنشائي الطويل. الكلمات تصبح رصاصات، والمنطق يصبح درعاً. يتبادل الفريقان الأدوار بسرعة البرق، في محاولة لكسر دفاعات الخصم وإثبات تفوق نموذجهم التعليمي.
الجولة الأولى: الذاكرة مقابل المهارة – من يملك الحقيقة؟
المتحدث الأول (المؤيد):
(يبتسم بثقة ويوجه نظره مباشرة للحكام)
"زملائي في الفريق المعارض يعيشون في عالم مثالي حيث المعلومات ثابتة والأجوبة موجودة في نهاية الكتاب. لكن دعونا نكون صادقين: الامتحان دون مراجع هو مجرد اختبار لـ 'قدرة التخزين المؤقت' في دماغ الطالب. بمجرد انتهاء الساعة، يتم مسح الـ Cache. السؤال الذي أطرحه: هل تريدون خريجاً يحفظ تعريف 'الإدارة الاستراتيجية' غيباً، أم خريجاً يستطيع فعلاً إدارة أزمة حقيقية باستخدام المصادر المتاحة؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين 'قاموس يمشي على قدمين' و 'قائد ميداني'."
المتحدث الأول (المعارض):
(يقاطع بهدوء ولكن بحزم)
"انتظر لحظة. أنت تخلط بين 'القاموس' و 'القواعد اللغوية'. لا يمكنك كتابة رواية (مشروع) إذا كنت لا تعرف قواعد النحو والأساسيات (امتحان). الطبيب الذي يدخل غرفة العمليات لا يفتح جوجل ليبحث عن جرعة البنسلين. هو يحتاج لهذه المعلومة 'محفوظة' في عقله، جاهزة للاستخدام الفوري. امتحاناتنا ليست لتخزين المعلومات، بل لتحويلها إلى 'رد فعل تلقائي' (Reflex). بدون هذا الرد التلقائي، مشروعك سينهار عند أول طارئ. هل تريد طبيباً يبحث في المراجع بينما المريض ينزف؟"
المتحدث الثاني (المؤيد):
"هذا مثال درامي جداً ومبالغ فيه! في الطب الحديث، هناك فرق كاملة، وهناك بروتوكولات رقمية. لكن لنأخذ مثالاً أقرب لواقع معظم الخريجين: المهندس أو المسوق. في سوق العمل، الخطأ ليس دائماً قاتلاً فوراً، لكنه مكلف. الامتحان يعاقب الخطأ الحسابي البسيط بالصفر، بينما المشروع يعلمك كيف تكتشف الخطأ، تصلحه، وتوثق العملية. الامتحان يقول لك: 'أنت أخطأت، انتهى الأمر'. المشروع يقول لك: 'أنت أخطأت، كيف ستصلح ذلك؟'. أيهما يعلمك أكثر؟"
المتحدث الثاني (المعارض):
"المشروع يعلمك كيف 'تغطي' على الخطأ بعرض تقديمي جميل! هذه هي المشكلة. في الامتحان، الورقة لا تكذب. إما الحل صحيح أو خاطئ. في المشروع، يمكن لطالب متوسط أن يبيع فكرة فاشلة بمهارات عرض مذهلة. نحن لا نريد خريجين 'بائعين' لفشلهم، نريد خريجين 'أكفاء' في جوهرهم. الامتحان يضمن أن الأساس الصلب موجود، بغض النظر عن قدرة الطالب على 'التسويق' لنفسه."
الجولة الثانية: معضلة "الراكب المجاني" وعدالة التقييم
المتحدث الثالث (المؤيد):
"لنتحدث عن 'الراكب المجاني' الذي تخافون منه كثيراً. نعم، يوجد طلاب لا يعملون. لكن الحل ليس إلغاء المشاريع، بل تحسين آليات التقييم. لدينا تقييم الأقران، ولدينا الدفاع الشفوي الفردي. إذا لم يستطع الطالب شرح جزء من المشروع قام به زميله، رسب. بهذه الطريقة، نعلم الطالب المسؤولية والمحاسبة. أما في الامتحان، فالغش موجود أيضاً، بل إنه أسهل! ورقة واحدة، نظرات سريعة، وهواتف ذكية مخفية. الامتحان ليس حصناً منيعاً ضد الغش، هو فقط يجعل الغش 'فردياً' بدلاً من كونه 'جماعياً'."
المتحدث الثالث (المعارض):
"يا للسذاجة! تقارن بين غش صعب الكشف في امتحان مراقب، وبين مشروع يستغرق أسابيع ويمكن فيه شراء الحلول، أو استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص، أو الاعتماد كلياً على زميل مجتهد. كشف الغش في مشروع نصي مكون من 50 صفحة أصعب بمراحل من كشف ورقة غش في قاعة امتحان.
والأهم من ذلك: 'تقييم الأقران' الذي تتحدث عنه يتحول غالباً إلى 'صفقات صداقة'. أنا أعطيك درجة عالية لأنك صديقي، وأنت تعطيني درجة عالية لأنني سأعطيك درجة عالية. أين العدالة هنا؟ الامتحان الموحد يكسر هذه المحسوبيات. هو المعادل العظيم (The Great Equalizer)."
المتحدث الرابع (المؤيد):
"المعادل العظيم؟ أم المعاقب العظيم للأنماط المختلفة للذكاء؟ الطالب الذي يعاني من قلق الامتحانات (وهو نسبة كبيرة جداً) يُحكم عليه بالفشل رغم فهمه العميق. هذا ليس عدلاً، هذا قسوة بيروقراطية.
بالنسبة للذكاء الاصطناعي: نعم، هو تحدٍ. لكن المشروع مع الدفاع الشفوي هو الحل لهذه المعضلة، وليس المشكلة. عندما تدافع عن مشروعك شفهياً، ونسألك لماذا اخترت هذه الطريقة دون أخرى، نعرف فوراً إذا كنت أنت من فعل العمل أم الـ AI. الـ AI لا يستطيع الدفاع عن منطقك الشخصي وتجربتك. الامتحان التقليدي، напротив، أصبح سهل الغش عليه بالـ AI عبر سماعات الأذن الدقيقة. نحن نتطور، وأنتم تتمسكون بالطباشير!"
المتحدث الرابع (المعارض):
"تتمسكون بالطباشير لأن الطباشير لا تنطفئ بطارياتها!
دعنا نكون واقعيين. الجامعات ليست مختبرات بحثية صغيرة تضم 10 طلاب. هي مؤسسات ضخمة. تقييم مشاريع 500 طالب في مادة واحدة يتطلب جيشاً من الأساتذة ومساعدي التدريس. النتيجة؟ تأخير النتائج لشهور، وإرهاق للأساتذة يؤدي لتقييم سطحي.
الامتحان يسمح بتقييم مئات الطلاب في ساعتين، بدقة، وبموارد محدودة. هذا ليس 'كسلاً'، هذا 'استدامة مؤسسية'. إذا طبقنا نموذجكم، سنحتاج لمضاعفة ميزانية الجامعات ثلاث مرات. هل أنتم مستعدون لدفع هذه التكلفة؟ أم أنكم تريدون جودة تعليمية على حساب انهيار النظام المالي للجامعة؟"
الجولة الثالثة: الفكاهة والحقيقة – من يخاف من الواقع؟
المتحدث الثاني (المؤيد):
(يضحك بخفة)
"يبدو أن الفريق المعارض قلق جداً على 'ميزانية الجامعة' أكثر من قلقه على 'مستقبل الطالب'. هذا مثير للاهتمام.
دعوني أطرح سؤالاً بسيطاً: عندما تذهب لمقابلة عمل، هل يسألونك: 'احفظ لي تعريف الإدارة من الصفحة 50'؟ لا. يقولون لك: 'إليك مشكلة معقدة في شركتنا، حلها لنا'.
نحن ندرب الطلاب على 'المقابلة' الحقيقية للحياة. أنتم تدربونهم على 'امتحان القيادة النظري' بينما هم يريدون قيادة السيارة في الزحمة. نعم، القيادة في الزحمة مرهقة، وتسبب حوادث، وتتطلب انتباهاً للطريق (المراجع)، لكنها الحياة الحقيقية!"
المتحدث الثاني (المعارض):
"تشبيه جميل، لكن فيه ثغرة قاتلة. قبل أن تسمحوا لأي شخص بقيادة السيارة في الزحمة، يجب أن تجتزوا 'امتحان القيادة' أولاً! امتحان يثبت أنك تعرف إشارات المرور، وقوانين الأولوية، وكيفية توقف السيارة.
المشاريع هي 'القيادة في الزحمة'. ممتاز. لكن الامتحانات هي 'رخصة القيادة'. لا يمكنك السماح للجميع بالقيادة في الزحمة دون التأكد أولاً من أنهم يعرفون الأساسيات. استبدال الامتحانات بالمشاريع يشبه إعطاء رخصة قيادة لمن صنع سيارة جميلة، دون أن يختبر أحد قدرته على الضغط على الفرامل!"
المتحدث الأول (المؤيد):
"لكن المشكلة أن 'امتحان القيادة' الحالي لدينا لا يختبر الضغط على الفرامل، بل يختبر حفظ تاريخ اختراع الفرامل! هذا هو الفرق. نحن نقول: اجعل الامتحان تطبيقياً، أو استبدله بمشروع صغير يثبت القدرة على التطبيق. الحفظ الصم لتواريخ وتعريفات لا يضمن أنك ستضغط على الفرامل في الوقت المناسب. الممارسة هي الضمان."
المتحدث الأول (المعارض):
"والممارسة بدون نظرية تؤدي إلى كوارث. كم من مهندس 'مارس' البناء دون فهم عميق للفيزياء فسقط المبنى؟
النقطة الجوهرية يا سادة: نحن لا نرفض المشاريع. نحن نرفض 'الاستبدال'. نحن نريد توازناً. امتحانات لضمان الأساس المعرفي الفردي، ومشاريع لتنمية المهارات التطبيقية. حذف الامتحانات تماماً هو إزالة العمود الفقري للتعليم الجامعي، وترك الهيكل يعتمد على عضلات قد تكون ضعيفة أو مشدودة بشكل غير متساوٍ."
خلاصة المناظرة الحرة: تصادم الرؤى
في هذه الجولة السريعة والمكثفة، تبلورت الصورة النهائية للصراع:
- الفريق المؤيد نجح في رسم صورة حيّة ومقنعة لسوق العمل الحديث، مؤكداً أن المهارات الناعمة والبحث وحل المشكلات هي العملة الجديدة، وأن الامتحانات التقليدية أصبحت أثراً بعد عين في عصر الذكاء الاصطناعي. استخدموا الفكاهة لتشويه صورة "الحفظ الصم" وربطوها بالبيروقراطية الجامعية.
- الفريق المعارض تمسك بخط الدفاع الواقعي والمؤسسي، مؤكداً أن "الأساسيات" و"العدالة الموضوعية" و"الكفاءة اللوجستية" هي شروط غير قابلة للتفاوض. نجحوا في كشف الثغرة الكبيرة في نموذج المشاريع وهي "صعوبة ضمان الجهد الفردي" و"التكلفة العالية"، مستخدمين تشبيه "رخصة القيادة" لترسيخ فكرة أن الأساس يجب أن يسبق التطبيق.
المناظرة الحرة لم تحسم الفائز بشكل قاطع، لكنها عمقت الشرخ بين "مثالية التطوير المهني" (المؤيد) و"واقعية الضمان الأكاديمي" (المعارض)، مما يمهد الطريق للكلمات الختامية لتحسم المعركة بناءً على أي قيمة يرى الحكام أنها أولى بالأولوية: التجهيز للمستقبل أم ضمان الحاضر.
الكلمة الختامية
في ختام هذه الرحلة الفكرية، نقف أمام مفترق طرق يحدد ليس فقط طريقة تقييمنا للطلاب، بل فلسفتنا التعليمية بأكملها. هل نريد جامعة تصنع "حافظين" يجتازون العقبات البيروقراطية، أم جامعة تبني "مفكرين" ومبدعين قادرين على مواجهة تعقيدات العالم الحقيقي؟ إليك ما يقدمه كل فريق كخلاصة نهائية لموقفه.
الكلمة الختامية للفريق المؤيد: من "ذاكرة التخزين" إلى "محرك الابتكار"
أيها السادة الحكام، زملائي في الفريق المعارض، والحضور الكريم..
طوال هذه المناظرة، حاول الفريق المعارض إقناعكم بأن الامتحان التقليدي هو "الحصن الأمين" للعدالة والمعرفة. لكنهم فشلوا في الإجابة على السؤال الجوهري: عدالة لأي هدف؟ ومعرفة لأية غاية؟
لقد كشفنا اليوم ثلاثة أوهام كبيرة دافع عنها الفريق المعارض:
أولاً، وهم العدالة الموضوعية. قالوا إن الامتحان عادل لأنه موحد. لكننا أثبتنا أن هذا التوحيد يعاقب الطالب المبدع الذي يعاني من قلق الامتحانات، ويكافئ الطالب الذي يمتلك ذاكرة قصيرة المدى. العدالة الحقيقية ليست في إعطاء الجميع نفس السؤال، بل في إعطاء الجميع فرصة متساوية لإظهار كفاءتهم الحقيقية عبر مشاريع تحاكي الواقع، حيث يمكن تقييم الجهد، العملية، والنتيجة، وليس فقط اللحظة العصيبة لامتحان الساعة الواحدة.
ثانياً، وهم الكفاءة اللوجستية. زعموا أن المشاريع مكلفة وصعبة الإدارة. هذا كلام ينتمي لعصر ما قبل التكنولوجيا. في زمن الذكاء الاصطناعي وأنظمة التقييم الرقمية، أصبح تتبع جهد الطالب الفردي داخل المشروع أسهل وأكثر دقة من أي وقت مضى. التمسك بالامتحانات الورقية اليوم ليس "حكمة إدارية"، بل هو "جمود مؤسسي" يفضل راحة الأستاذ على تعلم الطالب.
ثالثاً، وأهم نقطة، وهم الملاءمة للواقع. يعيش الفريق المعارض في عالم نظري حيث المعلومات ثابتة. لكن عالمنا يتغير بسرعة البرق. الخريج الذي يحفظ التعريفات دون قدرة على البحث، التحليل، والعمل الجماعي، هو خريج منتهي الصلاحية قبل أن يتخرج. المشاريع لا تعلم فقط المادة العلمية، بل تعلم "كيف تتعلم"، وكيف تعمل ضمن فريق، وكيف تحل مشكلات لم يسبق لها حل.
نحن لا ندعو إلى إلغاء المعرفة، بل ندعو إلى تحويل المعرفة من بضاعة مخزنة في الذاكرة إلى أداة منتجة في اليد والعقل.
الجامعة ليست متحفاً للذكريات الأكاديمية، بل هي مصنع للمستقبل. إذا أردنا خريجين يقودون التغيير، ويبتكرون الحلول، ويتكيفون مع تحديات الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يلغوا بواسطته، فلا بد لنا من أن نستبدل ثقافة "الخوف من الامتحان" بثقافة "الشغف بالإنجاز".
لذلك، نؤكد موقفنا الراسخ: استبدال الامتحانات التقليدية بالتقييم القائم على المشاريع ليس خياراً ترفيهياً، بل ضرورة وجودية لتعليم ذي معنى، عادل، وملائم لعصرنا.
شكراً لكم.
الكلمة الختامية للفريق المعارض: مصداقية الشهادة وضمان الأساس المعرفي
أيها السادة الحكام، زملائي في الفريق المؤيد، والحضور الكريم..
استمعنا طوال هذه المناظرة إلى خطابات رومانسية عن "الإبداع" و"سوق العمل"، رسمت صورة مثالية للتعليم القائم على المشاريع. لكن عندما ننزل من سحاب المثالية إلى أرض الواقع، نجد أن نموذج الفريق المؤيد مبني على أسس هشة تهدد جوهر التعليم الجامعي نفسه.
لقد دافعنا اليوم عن ثلاث ركائز لا غنى عنها لأي نظام تعليمي جاد:
أولاً، ضمان الأساس المعرفي الفردي. قال الفريق المؤيد إن المشاريع تحاكي الواقع. نعم، لكن الواقع يحتاج أيضاً إلى أساس راسخ. لا يمكنك بناء ناطحة سحاب (مشروع إبداعي) على رمال متحركة (معرفة سطحية). الامتحانات دون مراجع هي الضمانة الوحيدة أن كل طالب، بمفرده، قد استوعب الأساسيات التي ستبنى عليها مهاراته المستقبلية. بدون هذا الاختبار الفردي الصارم، نصبح أمام شهادات جماعية لا نعرف من يحمل العبء الحقيقي للمعرفة ومن هو مجرد "راكب مجاني".
ثانياً، العدالة والموضوعية القابلة للقياس. حاول الفريق المؤيد تصوير الامتحانات كمصدر للقلق، وتجاهل حقيقة أن التحيز البشري في تقييم المشاريع هو خطر أكبر بكثير. عندما تعتمد الدرجة على ذوق المصحح، أو مهارات العرض التقديمي، أو العلاقات الشخصية، نفقد الثقة في نزاهة التقييم. الامتحان الموحد، رغم قسوته الظاهرة، هو "المعادل العظيم" الذي يحكم على المعرفة فقط، بغض النظر عن خلفية الطالب أو مهاراته الاجتماعية.
ثالثاً، الواقعية والاستدامة المؤسسية. الجامعات ليست نادياً نخبةً لعدد محدود من الطلاب. هي مؤسسات جماهيرية تتحمل مسؤولية تخريج آلاف الطلاب سنوياً. نموذج المشاريع الشامل، كما أوضحنا، غير قابل للتوسع (Unscalable) دون تكاليف باهظة وجودة متدنية بسبب الإرهاق الإداري. التمسك بالامتحانات ليس كسلاً، بل هو ضمان لكفاءة النظام وعدالته على نطاق واسع.
نحن لا نرفض التطوير، ولا نكره المشاريع. لكننا نرفض الاستبدال الكامل الذي يطرحه الفريق المؤيد. لأن استبدال الامتحانات بالمشاريع يعني التضحية بالدقة العلمية من أجل الشكلانية، والتضحية بالمساءلة الفردية من أجل العمل الجماعي المشوب بالشكوك.
الشهادة الجامعية هي عقد ثقة بين الجامعة والمجتمع. هذا العقد يقول: "هذا الشخص يعرف تخصصه". إذا ألغينا الآلية الوحيدة التي تثبت معرفته الفردية تحت ظروف مضبوطة، فإننا نمزق هذا العقد.
لذلك، نؤكد موقفنا النهائي: الامتحانات دون مراجع تبقى العمود الفقري للتقييم الأكاديمي العادل والموثوق. وأي إصلاح تعليمي يجب أن يبني عليها، لا أن يهدمها.
شكراً لكم.